|
|
New Page 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمةً للعالمين،
وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛
وبعد!
بين أيدينا الآن نصوص قرآنية كريمة تندرج في باب الفرع الذي يحتاج النظرُ فيه
الرجوعَ إلى الأصل كي يُستَجلى معناه الخاص؛ وبين أيدينا أيضاً نصوص أخرى: نبوية
شريفة، وإمامية معتبرة، تمثّل نموذجاً لرؤىً تربوية خاصة أو تجسيداً لحالات
اجتماعية معينة.. فنسأل اللهَ ــ تعالى ــ أن يوفِّقنا في عملية تأويل ما تشابه
منها، وفي مقاربة ما أُحكم من بيّناتها، وفي استظهار ما صح منها وما لم يصح.
ونبدأ قسمنا هذا "نصوص متشابهة أو موضوعة" بقول الحق ــ تبارك وتعالى ــ:
"الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا".[1]
فنقول:
سبق أن ذكرنا في وقفة لنا سابقة أنه يجب علينا أن نعي معنى كلمة "الرجال" ومعنى
كلمة "النساء"، والسر من وراء استخدامهما دون غيرهما في هذا السياق! فظاهر الآية
يتحدّث عن الحياة الزوجية بشكل عام، وهذا ما ينسجم مع كلمة "قوَّامون"، وهي غير "أولياء"!
والله ــ تعالى ــ لم يقل: الذكور قوَّامون على الإناث. وهذا أولاً.
أما ثانياً فلم يقل الله: الرجال أولياء النساء؛ وإنما قال "قوّامون"، وهذا يعني
أنهم مكلَّفون بصيانة الأسرة وحمايتها ورعايتها وتأمين مستلزماتها..
ومررنا في وقفة سابقة على الفرق بين القوامة والولاية، وقلنا أن القوامة تعني
الرعاية والحماية وتأمين المسلتزمات والإدارة "المنزلية" بالتشاور.. وأشرنا إلى أن
اللبس الحاصل حول دور الرجل في السيطرة الكاملة والتصرف المطلق بشؤون المنزل
والمرأة إنما عائد للخلط بين معنى الولاية والقوامة. وأوردنا ما قاله الأستاذ
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي من أن:
الولاية على الشيء أو الشخص في المصطلح الشرعي: أثر من آثار نقص الأهلية في الشخص
الذي تسري الولاية عليه، فلا يتأتى له ممارسة حقوقه أو بعض منها إلا بإذن الولي، بل
ربما بممارسته هو لها. و(أنه) من المعلوم أن الشريعة الإسلامية ساوت بين الرجل
والمرأة في حق الأهلية عندما يكون كل منهما يتمتَّع بكامل الرشد، ومن ثم فليس
لأحدهما ولايةً على الآخَر.
و(أن) القوامة هي مِن قام بالأمر أي قام بشأنه، وهو مصطلح شرعي يعني نظر الزوج
بشؤون زوجته من حيث الرعاية والحماية لها ودرء الخطر عنها وتقديم العون المادي
والمعنوي اللازمين لها.
وأن القرآن قد أثبت قوامةَ الرجل على المرأة، فقال: "الرجال قوَّامون على النساء"،
ونفى ولاية الرجل عليها، وأثبت لكل منهما حق الولاية على الآخَر، فقال: "والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض". وهي ما يسمى في مصطلح الشريعة الإسلامية بالولاية
المتبادلة. [2]
واستنتجنا أن الولاية ليست بأمرٍ مقتصر على الرجل دون المرأة وإنما متعلِّق بمستوى
الأهلية بين الطرفين القائمة بينهما الولاية.
وأشرنا فيما مضى (أيضاً) إلى ضرورة التمييز بين الخطاب القرآني الذي يتحدَّث عن كل
جنس بجنسه وعن الخطاب الذي يخص مرحلة معينة لكل جنس، فأوضحنا أنَّ من الخطاب ما
يكون معمماً لِكِلا الجنسين، وبغضّ النظر عن مسميات المراحل، وأنَّ منه ما يكون
خاصاً بمرحلة ما، كالرجولة مثلاً والتي لا تُطلق ــ حقيقةً ــ على الذكور إلا بعد
سن الشباب؛ ولم يفتنا الإشارة إلى أنه يمكن استعارة صفة الرجل أو الرجال كناية عن
عموم الجنس الذكوري وبكافة مراحله، وذلك حسب ما تقتضيه ضرورة المعنى وفن البلاغة؛
وما قيل عن "الرجال" في هذا المجال اللغوي والاصطلاحي يُقال عن "النساء"..
وأثبتنا في دراستنا لقول الحق ــ تبارك وتعالى ــ:
{خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[3]
أن طبيعة التكليف واحدة للذكر والأنثى، وهي الانسجام مع الفطرة الإنسانية التي
أودعنا الله إياها والتزود للآخرة بالعمل الإنساني السليم (على أصل التقوى).. أما
اختلاف الجنس بين الخلق (الذكر والأنثى) وتميّز أو اختصاص كل منهما ببعض حيثيات
التكليف الشرعي وفروعه لا يعني تفاضل بينهما أبداً، إذ ثبت قطعياً واحدية النشأة
والخلق، وأن لا كرامة لأحد على آخَر ــ ذكراً كان أم أنثى ــ إلا بالتقوى والعمل
الصالح المفضي لخدمة الناس والإنسانية. وأثبتنا أيضاً أن اختلاف التفاصيل (في
العبادة والتكليف) إنما يعود لطبيعة كل منهما وبأنه لا ذنب ولا جرم لِمَن كانت
طبيعته وتكليفه على نحو يخالف شريكه.. وأنه من الملاحَظ أن الاختلاف واقعٌ في الجنس
الواحد، إذ لكل شخص قدرته وطاقته وعقله وإدراكه.. وإنما الأعمال بالنيات، والعمل
بالطاعات..
فماذا بقي بعد عرضنا لهذه الخلاصة الموجزة لما بحثناه وأثبتناه من قبل؟
بقي أن نعيد ونؤكد أن لهذا السياق خصوصية محددة ومعينة، عائدة إلى الزوج وزوجه، وهو
ما يتضح ــ بجلاء ــ من قوله تعالى "بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا"!
فقد فضَّل الله، بمعنى ميَّز في هذا الجانب وخصَّ، الرجلَ بالقوة البدنية والاعتدال
العاطفي.. ومكَّنه من مزاولة العمل طيلة حياته الصحية الطبيعية؛ بينما ميَّز اللهُ
المرأة بالقوة النفسية والفرط العاطفي لأجل دورها الأمومي فلا تصلح له دونهما،
وأقعدها عن التصرف بطبيعية في فترات محددة من حياتها لا سيما في الحمل والنفاس
والرضاعة. ولأجل ذلك كان عمل الرجل فرض وواجب لاستطاعته على ذلك ولتكليفه به، فهو
القادر على تأمين المعيشة للأسرة في مختلف الظروف، ولأجل ذلك أيضاً لم يفرض العمل
على المرأة بل ترك لها حرية الاختيار فيما ناسبها من فطرة وظرف؛ ولأجل ما ذُكِرَ
كان الإنفاق على الأسرة لزاماً على الرجل وهو ما يُكمِّل له دوره "القوامي" في
كفاية الأسرة وحمايتها وحُسن ترتيب أمورها..[4] على أن ذلك لا يعني الاستفراد
بالقرار الأُسري أبداً، ولا بالولاية على المرأة كما بيَّنا من قبل!
فنظام الإسلام "القيادي" قائم على الشورى، بين الرجال أنفسهم، وبين الرجال والنساء؛
ولا استبداد في الإسلام، ولا إلغاء للآخَر، ولا تهميش، ولا ظلم..
قال تعالى:
"وأمرهم شورى بينهم".[5]
وقال:
"وشاورهم بالأمر".[6]
وفي الأمور الزوجية والأسرية قال:
"فإنْ أرادا فصالاً عن تراضٍ وتشاور فلا جناح عليهما..".[7]
إذن، هذا هو معنى الآية، وهذا هو سياقها؛ والإسلام براء من المفترين وافتراءاتهم.
ونختم بقول العلامة السيد محمد حسين فضل الله الذي يبيّن فيه الروح الزوجية الحق
والأساس. قال:
إن الإسلام جعل لكل من الزوج والزوجة مساحةً واسعة للتحرّك بحرية في ما يؤكِّد له
إنسانية إرادته، وقيمتها في مجال العلاقة، ولكنه لم يترك الأمر للمزاج الذاتي
وللرغبة الطارئة في قيام كل منهما بما لا يجب عليه تجاه الآخر، بل أوحى إليهما بأن
الأساس المادي الذاتي ليس هو الأساس الذي ينبغي للزواج أن يرتكز عليه، فليس الزواج
شركة مادية جامدة تخضع للحسابات الدقيقة في نطاق الأرباح والخسائر، بل هي علاقة
روحية متحرِّكة على أساس إنساني يجعل من شخصية كل منهما امتداداً روحياً لشخصية
الآخَر، فأراد لهما أن ينطلقا من خلال المودة التي تعبِّر عن العاطفة الصحيحة
الحميمة في شعور كل منهما تجاه الآخَر، ومن خلال الرحمة التي تعبِّر عن وعي كل
منهما لظروف الآخَر في أحاسيسه وأفكاره وعلاقاته وتصرّفه معه ــ على هذا الأساس ــ
انطلاقاً من الإرادة الإلهية. وهذا ما عبَّرت عنه الآية الكريمة: "ومن آياته أن خلق
لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". [الروم: 21] وقوله:
"هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهُنَّ". [البقرة: 187] [8]
الحواشي:
[1] سورة النساء، 34.
[2] لا يأتيه الباطل، أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، ط1، ص148-149.
[3] سورة الحجرات، 13.
[4] قال العلامة السيد محمد حسين فضل الله:
نفهم من مساواة التشريع الرجال والنساء في أكثر الجوانب أن درجة الوعي والعقل التي
ينطلق منها تحديد المسؤولية في العمل والحركة واحدة لدى الفريقين، كما أن الشواهد
الحية تدل على أن الكثيرات من النساء اللاتي يعشن في ظروف مماثلة لظروف الرجال
الحياتية الخاصة والعامة، قد استطعن أن يثبتن قدرتهن على التركيز والوعي والحس
الدقيق لكل القضايا المطروحة أمامهن من ناحية فكرية وعملية.
وإن هذا الضعف الأنثوي العاطفي يمكن أن يتوازن بواسطة التربية الطويلة؛ ولكن
التشريع يحتاط للإنسان فيتحرك في أحكامه على أساس الطبيعة العامة للأشياء. وفي ضوء
هذا، يمكن أن تكون القوامة خضعة لضعف الجانب العاطفي لدى الرجال، مما يجعل انفعاله
بالحالات الطارئة الانفعالية أقل مما لدى المرأة، ويمكن أن تكون المسألة متصلة
بالحالات الجسدية التي تتعرض لها المرأة الأم من الحمل والإرضاع والتربية ونحوها،
مما لا يترك لها المجال للتفرّغ والتركيز لإدارة شؤون الحياة الزوجية..
[تفسير من وحي القرآن، محمد حسين فضل الله، دار الملاك، ط2، مج7، ص235 وما بعد]
[5] سورة الشورى، 38. (انظر كيف سمَّى الله ــ سبحانه وتعالى ــ سورة من سور كتابه
العزيز باسم "الشورى"، وانظر أيّ معانٍ جميلة وبديعة حمَّل تلك السور وضمَّنها!)
[6] سورة آل عمران، 159.
[7] سورة البقرة، 233.
[8] تفسير من وحي القرآن، العلامة السيد فضل الله، مج7، ص233-234.
(من موقع: العلويين الأحرار : www.alaweenonline.com )
|
|